محمد حسين الذهبي
493
التفسير والمفسرون
لجميع هذه النظريات والقواعد العلمية على ما بينها من التنافي والتضاد ؟ وإذا كان هذا معقولا ، فهل يعقل أن يصدق مسلم بالقرآن بعد هذا ، ويكون على يقين بأنه كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ ؟ . . . الحق أن القرآن لا يعنى بهذا اللون من حياة الناس ، ولا يتعهده بالشرح ولا يتولاه بالبيان ، حتى يكون مصدرهم الذي يرجعون إليه في تعرف حياتهم العلمية الدنيوية . ويبدو لنا أن أنصار هذه الفكرة - فكرة التفسير العلمي - لم يقولوا بها ، ولم يعملوا على تأييدها إلا بعد أن نظروا إليها كوجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم ، وبيان صلاحيته للحياة ، وتمشيه معها على اختلاف أحوالها وتطور أزمانها . ولكن . ( ما هكذا يا سعد تورد الإبل ) فإن إعجاز القرآن غنى عن أن يسلك في بيانه هذا المسلك المتكلف ، الذي قد يذهب بالإعجاز ، وهناك من ألوان الإعجاز غير هذا ما يشهد للقرآن بأنه كتاب اللّه المنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم . وإذا كان أرباب هذا المسلك في التفسير يستندون إلى ما تناولته بعض آيات القرآن من حقائق الكون ومشاهده ، ودعوة اللّه لهم بالنظر في كتاب الكون وآياته التي بثها في الآفاق وفي أنفسهم ، إذا كانوا يستندون إلى مثل هذا في دعواهم أن القرآن قد جمع علوم الأولين والآخرين ، فهم مخطئون ولا شك وذلك لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده ، ودعوته إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وفي أنفسهم ، لا يراد منه إلا رياضة وجدانات الناس ، وتوجيه عامتهم وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة ، ولفتهم إلى آيات قدرة اللّه ودلائل وحدانيته ، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب ، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين ، فليس القرآن كتاب فلسفة أو طب أو هندسة . . . وليعلم أصحاب هذه الفكرة أن القرآن غنى عن أن يعتز بمثل هذا التكلف ، الذي يوشك أن يخرج به عن هدفه الإنسانى الاجتماعي ، في إصلاح الحياة ، ورياضة النفس ، والرجوع بها إلى اللّه تعالى .